ابن الأثير
654
أسد الغابة ( دار الفكر )
يا أمير المؤمنين ، انطلق معي فأعدنى [ ( 1 ) ] على فلان ، فإنه قد ظلمني . قال : فرفع الدرة فخفق بها رأسه فقال : تدعون أمير المؤمنين وهو معرض [ ( 2 ) ] لكم ، حتى إذا شغل في أمر من أمور المسلمين أتيتموه : أعدنى أعدنى ! قال : فانصرف الرجل وهو يتذمّر - قال : عليّ الرجل . فألقى إليه المخفقة [ ( 3 ) ] وقال : امتثل . فقال : لا واللَّه ، ولكن أدعها للَّه ولك . قال : ليس هكذا ، أما أن تدعها للَّه إرادة ما عنده أو تدعها لي ، فأعلم ذلك . قال : أدعها للَّه . قال : فانصرف . ثم جاء يمشى حتى دخل منزله ونحن معه ، فصلى ركعتين وجلس فقال : يا ابن الخطاب ، كنت وضيعا فرفعك اللَّه ، وكنت ضالا فهداك اللَّه ، وكنت ذليلا فأعزك اللَّه ، ثم حملك على رقاب الناس فجاءك رجل يستعديك فضربته ، ما تقول لربك غدا إذا أتيته ؟ قال : فجعل يعاتب نفسه في ذلك معاتبة حتى ظننا أنه خير أهل الأرض . قال : وحدثنا أبي ، حدثنا أبو بكر محمد بن الحسن ، أنبأنا أبو الحسين المهتدي ، أنبأنا عيسى بن علي ، أنبأنا عبد اللَّه بن محمد ، حدثنا داود بن عمرو ، حدثنا عبد الجبار بن الورد ، عن ابن بن مليكة قال : بينما عمر قد وضع بين يديه طعاما إذ جاء الغلام فقال : هذا عتبة بن فرقد [ ( 4 ) ] بالباب ، قال : وما أقدم عتبة ؟ ائذن له . فلما دخل رأى بين يدي عمر طعامه : خبز وزيت . قال : اقترب يا عتبة فأصب من هذا . قال : فذهب يأكل فإذا هو طعام جشب [ ( 5 ) ] لا يستطيع أن يسيغه . قال : يا أمير المؤمنين ، هل لك في طعام يقال له : الحوّارى [ ( 6 ) ] ؟ قال : ويلك ، ويسع ذلك المسلمين كلهم ؟ قال : لا واللَّه . قال : ويلك يا عتبة ، أفأردت أن آكل طيّبا في حياتي الدنيا وأستمتع ؟ . وقال محمد بن سعد : أنبأنا الوليد بن الأغر المكيّ ، حدّثنا عبد الحميد بن سليمان ، عن أبي حازم قال : دخل عمر بن الخطاب على حفصة ابنته ، فقدمت إليه مرقا باردا [ وخبزا ] [ ( 7 ) ] وصبّت في المرق زيتا ، فقال : أدمان في إناء واحد ! لا أذوقه حتى ألقى اللَّه عز وجل [ ( 8 ) ] .
--> [ ( 1 ) ] أعداه عليه : نصره وأعانه . [ ( 2 ) ] أي : ظاهر لكم ، يقال : أعرض الشيء يعرض من بعيد إذا ظهر . [ ( 3 ) ] المخففة : الدرة . [ ( 4 ) ] في المطبوعة : « عتبة أبى فرقد » . وهو خطأ . وقد سبقت ترجمته برقم 3551 : 3 / 567 . [ ( 5 ) ] الجشب : الخشن الغليظ . [ ( 6 ) ] الخبز الحواري - بضم الحاء وتشديد الواو - : الّذي نخل مرة بعد مرة . [ ( 7 ) ] عن الطبقات الكبرى . [ ( 8 ) ] الطبقات الكبرى لابن سعد : 3 / 1 / 230 .